يقوم حزب الاستقلال الجديد على أربعة مبادئ أساسية، هي: الاستقلال، والمساواة، والعدالة، والتقدم. ولكل مبدأ من هذه المبادئ معناه وأهميته، غير أن مبدأ التقدم يستحق قدراً خاصاً من الاهتمام، لأنه كثيراً ما يُساء فهمه أو يُربط بأيديولوجيات سياسية لا تملك حقاً حصرياً في تبنيه أو التعبير عنه.
ونود أن نوضح هذا المبدأ، على وجه الخصوص، للأجيال الشابة في السودان، التي نعوّل عليها كثيراً في تغيير مسار بلادنا. فمستقبل السودان سيعتمد على جيل قادر على التفكير المستقل، ومراجعة المسلّمات الموروثة، واتخاذ القرارات على أساس التعليم والمعرفة والأدلة العلمية، بدلاً من الشعارات السياسية أو الأحكام المسبقة ذات الطابع الأيديولوجي.
ويمكن التعبير عن فهمنا لمبدأ التقدم في عبارة بسيطة:
«إن الماضي ليس أفضل ما يمكن أن يقدمه السودان؛ فغايتنا هي بناء مستقبل أفضل».
ليس في هذه العبارة ما يدعو إلى التخلي عن تاريخنا أو التقليل من إنجازات أسلافنا. فعلى العكس من ذلك، يمتلك السودان إرثاً حضارياً عريقاً يستحق الاعتزاز والفخر. ولكن احترام الماضي لا ينبغي أن يعني التسليم بأن أفضل ما يستطيع شعبنا تحقيقه قد تحقق بالفعل. فكل جيل يرث شيئاً ممن سبقوه، وتقع على عاتقه مسؤولية أن يترك لمن يأتون بعده ما هو أفضل.
هذا هو المعنى الذي نقصده بالتقدم.
ومع ذلك، فإن الكلمة نفسها تثير أحياناً قدراً غير مبرر من الالتباس. فهناك من يربط التقدم بالماركسية أو الاشتراكية أو غيرهما من الحركات السياسية الحديثة، وكأن فكرة التقدم الإنساني قد نشأت مع إحدى هذه المدارس الفكرية. غير أن هذا التفسير يتجاهل تاريخاً طويلاً من النقاش الفلسفي بدأ قبل ميلاد كارل ماركس بقرون.
تعود كلمة التقدم في اللغات الأوروبية إلى الأصل اللاتيني Progressus، الذي يعني السير إلى الأمام أو المضي قدماً. ومع مرور الزمن، اكتسبت الكلمة معنى أوسع، فلم تعد تشير إلى الحركة المادية وحدها، بل أصبحت تعبّر أيضاً عن تطور المعرفة الإنسانية والحضارة والمجتمع.
وكان الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، الذي عاش بين عامي 1561 و1626، من المفكرين الذين أسهموا في ترسيخ هذا الفهم.
ففي كتابه الأورغانون الجديد (Novum Organum)، الصادر سنة 1620، انتقد بيكون الأساليب التي كانت تُكتسب بها المعرفة وتُقبل على أساسها الآراء السائدة. فقد كانت الجامعات الأوروبية في ذلك الوقت لا تزال متأثرة إلى حد كبير بالتقاليد الفكرية الكنسية وبسلطة أفكار أرسطو. وكان بيكون يرى أن المعرفة لا ينبغي أن تقوم على مجرد التسليم بالتعاليم الموروثة، بل على ملاحظة الطبيعة، وإجراء التجارب، والبحث عن الأدلة، والاستعداد لمراجعة الاستنتاجات التي لا تصمد أمام الاختبار.
وقد اكتسب إسهامه أهمية خاصة لأنه وضع البحث الإنساني وإمكانية اكتشاف معارف جديدة في صميم التطور الفكري. فإذا استطاع الإنسان أن يطور فهمه للطبيعة، فإنه يستطيع أيضاً أن يحسن الظروف التي يعيش فيها.
وقد ساعد هذا المنهج في تهيئة الأسس الفكرية لعصر التنوير الأوروبي، الذي تطورت خلاله فكرة التقدم إلى مفهوم أوسع يتعلق بالحضارة الإنسانية وقدرتها على التحسن.
وخلال القرن الثامن عشر، ذهب المفكر الفرنسي آن روبير جاك تورغو إلى أن المعرفة الإنسانية تتطور من خلال تراكم تجارب الأجيال المتعاقبة. ففي خطابه الذي قدمه سنة 1750 عن التقدم المتعاقب للعقل البشري، وصف الحضارة بأنها عملية مستمرة، يرث فيها كل جيل اكتشافات الأجيال السابقة وتجاربها، وتتاح له الفرصة لتطويرها والإضافة إليها.
وكان هذا التصور يمثل تحولاً مهماً عن الاعتقاد بأن المجتمع الإنساني يجب أن يظل مقيداً بالتقاليد القائمة، أو أن أعظم الإنجازات تنتمي بالضرورة إلى عصور سابقة. فقد أتاح تصوراً مختلفاً، يقوم على أن المعرفة يمكن أن تتراكم، والمؤسسات يمكن أن تتحسن، والمجتمعات تستطيع أن تتقدم بجهود أبنائها.
ثم جاء الفيلسوف الفرنسي ماركيز دي كوندورسيه ليطور هذا الفهم بصورة أوسع. ففي كتابه مخطط لصورة تاريخية لتقدم العقل البشري، الذي نُشر سنة 1795، رأى أن تطور المعرفة العلمية والتعليم والحرية السياسية والمساواة يمكن أن يؤدي إلى تحسين أحوال البشر. ولم يكن كوندورسيه ينظر إلى الجهل والقهر وعدم المساواة باعتبارها أوضاعاً دائمة في حياة الإنسان، بل كان يرى أنها عقبات يمكن مواجهتها وتجاوزها من خلال نشر المعرفة وتطوير المؤسسات الاجتماعية.
أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فقد تناول المسألة من زاوية أخرى. ففي مقالته الشهيرة المنشورة سنة 1784 بعنوان إجابة عن السؤال: ما التنوير؟، دعا الإنسان إلى استخدام عقله وفهمه المستقل، بدلاً من الاعتماد دون تساؤل على سلطة الآخرين. وكان يرى أن الاستقلال الفكري وحرية التفكير والشجاعة في استخدام العقل تمثل شروطاً أساسية للتنوير.
وما يجمع بين هؤلاء المفكرين ليس انتماءهم إلى أيديولوجيا سياسية واحدة، فقد تناولوا تطور الإنسان من منطلقات فلسفية مختلفة، ولكنهم اشتركوا في الاهتمام بقدرة البشر على تحسين ظروف حياتهم من خلال المعرفة والعقل والتفكير المستقل.
غير أن هذا النقاش كانت له أيضاً زاوية أخرى مهمة. فلم يكن جميع الفلاسفة يعتقدون أن كل تقدم في مظاهر الحضارة يؤدي بالضرورة إلى تحسين حياة الإنسان.
فقد تساءل جان جاك روسو، في القرن الثامن عشر، عما إذا كان تطور العلوم والفنون والثروة والرقي الثقافي يجعل الإنسان بالضرورة أكثر فضيلة وأخلاقاً. وفي كتابه خطاب في العلوم والفنون، الصادر سنة 1750، حذّر من أن التقدم المادي قد يتزامن مع انتشار الفساد وعدم المساواة والتدهور الأخلاقي.
ولا يزال تحذيره يحتفظ بأهميته حتى يومنا هذا. فقد تمتلك دولة ما مباني شاهقة وطرقاً حديثة وصناعات متطورة وأحدث التقنيات، بينما تعيش قطاعات واسعة من سكانها في الفقر، أو تعاني من الظلم، أو تُحرم من الحريات الأساسية. وقد تكون هذه الدولة قد حققت تطوراً اقتصادياً أو تقنياً، ولكن هل يمكن القول إنها حققت تقدماً إنسانياً حقيقياً؟
بالنسبة إلى حزب الاستقلال الجديد، فإن التنمية المادية وحدها لا تكفي. فالمعيار النهائي للتقدم يجب أن يكون أثره في حياة الناس. هل تحسنت ظروف معيشتهم؟ هل أصبحت فرص التعليم والعمل أكثر اتساعاً؟ هل صارت كرامتهم وحقوقهم أكثر حماية؟ هل نشأت مؤسسات تخدم المواطنين بعدالة وكفاءة؟ وهل أصبح بإمكانهم المشاركة بصورة حقيقية في القرارات التي تؤثر في مستقبلهم؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من مجرد المظاهر الخارجية للحداثة.
وفي ظل هذه الخلفية الفلسفية التي كانت قد ترسخت بالفعل، وضع كارل ماركس نظرياته خلال القرن التاسع عشر. فقد قدم ماركس، الذي عاش بين عامي 1818 و1883، تفسيره الخاص للتغير التاريخي، مع التركيز على الظروف الاقتصادية وتطور قوى الإنتاج والصراع بين الطبقات الاجتماعية.
وفي البيان الشيوعي، الذي نشره بالاشتراك مع فريدريك إنجلز سنة 1848، تناول ماركس التحولات التي أحدثها تطور النظام الرأسمالي وظهور علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة. وكان تفسيره للتاريخ متميزاً، وقد تركت كتاباته فيما بعد أثراً كبيراً في الفكر السياسي والاقتصادي.
لكن ماركس لم يخترع فكرة التقدم. فعندما بدأ في وضع نظرياته، كان الفلاسفة قد ناقشوا بالفعل، وعلى مدى أجيال، قضايا تطور الإنسان والاكتشاف العلمي والتعليم والحرية وتحسين المجتمع.
ومن ثم، فإن الادعاء بأن كل حركة سياسية تتبنى التقدم مبدأً من مبادئها يجب أن تكون حركة ماركسية هو ادعاء غير صحيح تاريخياً. فهو يخلط بين مفهوم فلسفي واسع ونظرية معينة لتفسير التطور التاريخي. وقد تناول مفكرون من مدارس فلسفية متعددة مفهوم التقدم ودافعوا عنه، ولا تستطيع أي أيديولوجيا سياسية أن تدعي ملكيته الحصرية.
وهذا التمييز مهم بالنسبة إلى حزب الاستقلال الجديد. فنحن لا نتبنى التقدم باعتباره صيغة أيديولوجية مستوردة، ولا نؤمن بأن التاريخ يسير وفق مسار محدد سلفاً يؤدي حتماً إلى مجتمع أفضل. بل ننظر إلى التقدم باعتباره مسؤولية وطنية، تقوم على إيماننا بأن الشعب السوداني قادر على تحسين ظروف حياته من خلال المعرفة والعمل والمؤسسات والاختيارات السياسية التي يتخذها.
ولننظر إلى واقع السودان اليوم. فبلادنا تمتلك موارد طبيعية واسعة، وأراضي زراعية خصبة، وتاريخاً حضارياً طويلاً، وشعباً قادراً على الإسهام في التنمية الوطنية. ومع ذلك، فقد شهد السودان أزمات سياسية متكررة، وصراعات مسلحة، وتدهوراً اقتصادياً، وإخفاقات مؤسسية. وقد أظهرت الحرب الحالية، بصورة مأساوية، مدى السرعة التي يمكن أن تُدمَّر بها إنجازات تراكمت عبر أجيال متعاقبة.
فالتاريخ لا يضمن لأي أمة أن تواصل التقدم. وقد تتراجع الدول إلى الوراء، وتنهار المؤسسات، وتتدهور الاقتصادات، وتفقد المجتمعات ما كانت تتمتع به من أمن وفرص.
ولهذا السبب، لا يمكننا أن ننظر إلى التقدم باعتباره أمراً سيحدث لمجرد مرور الزمن، أو لأن القادة السياسيين يعدون بمستقبل أفضل. فالتقدم يتطلب اختيارات واعية، وحكماً مسؤولاً، ومؤسسات عامة فاعلة، والتزاماً مستمراً برفاه المواطنين.
ويجب أن يحتل التعليم والمعرفة العلمية مكانة مركزية في هذا الجهد. فلا يمكن لدولة أن تبني اقتصاداً حديثاً منتجاً بينما تهمل تعليم أبنائها أو تقيد حرية البحث والتفكير المستقل. ويجب أن تتاح للشباب السوداني فرص تنمية قدراتهم، ومراجعة الافتراضات السائدة، واكتساب المهارات العملية، والمشاركة في التطورات العلمية والتقنية التي تشكل عالمنا المعاصر.
لكن التعليم وحده لن يكون كافياً إذا استمر المجتمع في قبول الظلم وعدم المساواة. فلا يمكن اعتبار التنمية الاقتصادية ناجحة عندما تظل الفرص محصورة في جماعات أو مناطق بعينها، أو عندما يُحرم المواطنون من الخدمات العامة الأساسية والمشاركة السياسية.
ولذلك، يجب أن تخضع مؤسسات الدولة لحكم القانون والمساءلة. وينبغي أن يكون هدفها خدمة الشعب السوداني باعتباره مواطنين متساوين في الحقوق، لا حماية مصالح أفراد أو جماعات أو مناطق جغرافية بعينها. فمن دون مؤسسات فاعلة ومحايدة، قد تفشل حتى الموارد الاقتصادية الكبيرة في إحداث تحسن مستدام في حياة الناس.
وينبغي توظيف موارد السودان الطبيعية والبشرية لبناء اقتصاد منتج، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، ودعم التنمية في جميع أنحاء البلاد. ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد زيادة الثروة الوطنية، بل ضمان وصول فوائد التنمية إلى أوسع قطاعات المجتمع.
ولا يتطلب أي من ذلك التخلي عن هويتنا الثقافية أو إرثنا الحضاري. بل إن تاريخنا ينبغي أن يكون مصدراً للثقة في قدرة المجتمع السوداني على الإنجاز.
فحضارات السودان القديمة، والتقاليد الثقافية المتنوعة التي نشأت وتطورت عبر أراضيه، تشكل جزءاً من تراثنا الوطني المشترك. وهي تستحق الدراسة والحفظ والتقدير. ولكن إنجازات الأجيال السابقة يجب أن تلهمنا لتحقيق إنجازات جديدة، لا أن تقنعنا بأن أفضل أيامنا قد مضت.
ولا ينبغي لنا أن نصور الماضي وكأنه عصر مثالي خالٍ من العيوب، كما لا ينبغي أن نرفضه لمجرد أنه ينتمي إلى زمن سابق. بل علينا أن نحافظ على ما هو قيّم فيه، وأن نراجع ما أخفقنا فيه، وأن نصحح ما يحتاج إلى تصحيح، وأن نكون مستعدين لتطوير أفكار ومؤسسات جديدة عندما تصبح المؤسسات والممارسات القائمة غير قادرة على خدمة مصالح شعبنا.
وهذا الأمر مهم بصورة خاصة للأجيال الشابة في السودان. فقد ورثت هذه الأجيال بلداً يواجه صعوبات هائلة، لكنها ورثت أيضاً تاريخه وموارده ومعارفه وإمكاناته. وليست مسؤوليتها أن تظل تكرر الخلافات السياسية التي خاضتها الأجيال السابقة إلى ما لا نهاية، أو أن تقبل ببقاء السودان أسيراً للصراعات نفسها والإخفاقات المؤسسية ذاتها.
بل ينبغي لها أن تكون مستعدة لدراسة أسباب تلك الإخفاقات، والتفكير في كيفية بناء مستقبل مختلف.
ولن ينشأ ذلك المستقبل من الشعارات وحدها. فهو يحتاج إلى تفكير جاد، وتعليم، ومسؤولية سياسية، ومشاركة عامة، وشجاعة في مراجعة الممارسات التي أصبحت مألوفة لمجرد أنها استمرت زمناً طويلاً.
فالتقدم، كما نفهمه، ليس وعداً بأن الغد سيكون تلقائياً أفضل من اليوم، بل هو التزام بالعمل من أجل أن نجعله أفضل.
إن تأكيد فرانسيس بيكون على الملاحظة والبحث العلمي، وفهم تورغو لتراكم المعرفة الإنسانية، وإيمان كوندورسيه بالتعليم والمساواة، ودفاع كانط عن استقلال الفكر، وتحذير روسو من الخلط بين التقدم المادي والتحسن الإنساني، كلها إسهامات تنتمي إلى تراث فلسفي أوسع بكثير من أي أيديولوجيا حديثة. وقد جاء ماركس بعد ذلك ليقدم تفسيره الخاص للتطور التاريخي، ولكن فكرة التقدم لم تبدأ معه، ولا تنتمي حصرياً إلى مدرسته الفكرية.
إنها جزء من التراث الفكري المشترك للإنسانية.
ويتبنى حزب الاستقلال الجديد مبدأ التقدم بهذا المعنى الإنساني الواسع. فنحن نؤمن بأن السودان يستطيع أن يصبح بلداً تتمتع فيه الأجيال القادمة بقدر أكبر من الحرية والعدالة والمساواة والمعرفة والازدهار مقارنة بالأجيال التي سبقتها. ونؤمن بأن تحقيق هذا الهدف ممكن، ولكنه يعتمد على القرارات التي نتخذها، والمؤسسات التي نبنيها، والمسؤوليات التي نكون مستعدين لتحملها.
إننا نحترم أسلافنا ونعتز بما حققوه، ولكننا لا نريد للأجيال القادمة أن تكتفي بالإعجاب بإنجازاتهم. بل نريد لها أن تحقق إنجازاتها الخاصة، وأن تتاح لها فرص أفضل من تلك التي أتيحت لنا، وأن تعيش في وطن يُحكم بصورة أفضل من الوطن الذي ورثناه.
إن تاريخنا يستحق الاحترام والفخر، ولكن مستقبلنا يستحق منا الانتباه والعمل كل في مجاله ليتمتع بلدنا بالمكانة التي يستحقها بين شعوب الارض.
«إن الماضي ليس أفضل ما يمكن أن يقدمه السودان؛ فغايتنا هي بناء مستقبل أفضل».
حزب الاستقلال الجديد